محمد بن جرير الطبري
198
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
ويعلمهم أن كل ذلك خير من كل ما هم عليه مقيمون من كفرهم بالله وتعريهم ، لا أنه أعلمهم أن بعض ما أنزل إليهم خير من بعض . وما يدل على صحة ما قلنا في ذلك الآيات التي بعد هذه الآية ، وذلك قوله : يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما وما بعد ذلك من الآيات إلى قوله : وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون فإنه جل ثناؤه يأمر في كل ذلك بأخذ الزينة من الثياب واستعمال اللباس وترك التجرد والتعري وبالايمان به واتباع أمره والعمل بطاعته ، وينهي عن الشرك به واتباع أمر الشيطان مؤكدا في كل ذلك ما قد أجمله في قوله : يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير . وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله : ولباس التقوى استشعار النفوس تقوى الله في الانتهاء عما نهى الله عنه من معاصيه والعمل بما أمر به من طاعته وذلك يجمع الايمان والعمل الصالح والحياء وخشية الله والسمت الحسن ، لان من اتقى الله كان به مؤمنا وبما أمره به عاملا ومنه خائفا وله مراقبا ، ومن أن يرى عندما يكرهه من عباده مستحييا . ومن كان كذلك ظهرت آثار الخير فيه ، فحسن سمته وهديه ورؤيت عليه بهجة الايمان ونوره . وإنما قلنا : عنى بلباس التقوى استشعار النفس والقلب ذلك لان اللباس إنما هو ادراع ما يلبس واحتباء ما يكتسي ، أو تغطية بدنه أو بعضه به ، فكل من أدرع شيئا أو احتبي به حتى يرى هو أو أثره عليه ، فهو له لابس ولذلك جعل جل ثناؤه الرجال للنساء لباسا وهن لهم لباسا ، وجعل الليل لعباده لباسا . ذكر من تأول ذلك بالمعنى الذي ذكرنا من تأويله إذا قرئ قوله : ولباس التقوى رفعا : 11238 - حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : ولباس التقوى : الايمان ذلك خير يقول : ذلك خير من الرياش واللباس يواري سوآتكم . 11239 - حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ولباس التقوى قال : لباس التقوى خير ، وهو الايمان .